ابن عربي
206
فصوص الحكم
فيعلم بذلك ما وفق إليه موسى من غير ( 1 ) علم منه . إذ لو كان على ( 2 ) علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي قد شهد الله له عند موسى وزكاه وعدَّله ( 3 ) . ومع هذا غفل موسى عن تزكية الله ( 4 ) وعما شرطه ( 5 ) عليه في اتباعه ، رحمة بنا إذا نسينا أمر الله . ولو كان موسى عالماً بذلك لما قال له الخضر « ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً » أي إني على علم لم يحصل لك عن ذوق كما أنت على علم لا أعلمه أنا . فأنْصَفَ . وأما حكمة فراقه فلأن الرسول يقول الله فيه « وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا » . فوقف العلماء با لله الذين يعرفون قدر الرسالة والرسول عند هذا القول . وقد علم الخضر أن موسى رسول الله فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفي الأدب حقه مع الرسول ( 6 ) : فقال له « إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي » فنهاه عن صحبته . فلما وقعت منه الثالثة قال : « هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ » . ولم يقل له موسى لا تفعل ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي نطقته بالنهي عن أن يصحبه . فسكت موسى ووقع الفراق . فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم وتوفيقة الأدب الإلهي حقه وإنصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى عليه السلام حيث قال له « أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا » . فكان هذا الإعلام في الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله « وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً » مع علمه بعلو رتبته بالرسالة ، وليست تلك الرتبة للخضر . وظهر ذلك في الأمة المحمدية في حديث إبَار النخل ، فقال عليه السلام لأصحابه « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » . ولا شك أن العلم بالشيء خير من الجهل به : ولهذا ( 7 ) مدح الله نفسه بأنه بكل
--> ( 1 ) ب : ساقطة ( 2 ) ب : عن ( 3 ) عدله أي زكاه ( 4 ) ب : اللَّه له ( 5 ) ا : شرطه ( 6 ) ن : الرسل ( 7 ) ا : وبهذا .